الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

400

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر إلا أجابه " ( 1 ) . وبعد ذكر هذه الفضيلة المعنوية ، تذكر الآية فضيلة مادية أخرى فتقول : وألنا له الحديد . يمكن القول ، بأن الله تعالى علم داود - إعجازا - ما استطاع بواسطته تليين الحديد حتى يمكنه من صنع أسلاك رقيقة وقوية لنسج الدروع منها ، أو أنه كان قبل داود يستفاد من صفائح الحديد لصناعة الدروع والإفادة منها في الحروب ، مما كان يسبب حرجا وإزعاجا للمحاربين نتيجة ثقل الحديد من جهة ، وعدم قابلية تلك الدروع للإنحناء أو الالتواء حين ارتدائها ، ولم يكن أحد قد استطاع حتى ذلك اليوم نسج الدروع من أسلاك الحديد الرفيعة المحكمة ، ليكون لباسا يمكن ارتداؤه بسهولة والإفادة من قابليته على التلوي والانحناء مع حركة البدن برقة وانسياب ( 2 ) . ولكن ظاهر الآية يدلل على أن ليونة الحديد تمت لداود بأمر إلهي ، فما يمنع الذي أعطى لفرن النار خاصية إلانة الحديد ، أن يعطي هذه الخاصية لداود بشكل آخر ، وقد أشارت بعض الروايات أيضا إلى هذا المعنى . فقد روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، أنه قال : " إن الله أوحى إلى داود : نعم العبد أنت إلا أنك تأكل من بيت المال ، فبكى داود أربعين صباحا ، فألان الله له الحديد ، وكان يعمل كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم فعمل ثلاثمائة وستين درعا فباعها بثلاثمائة وستين ألفا فاستغنى عن بيت المال " ( 3 ) . صحيح أن بيت المال يؤمن مصارف الأشخاص الذين يقدمون خدمة مجانية للأمة ، ويتحملون الأعباء التي لا يتحملها غيرهم ، ولكن ما أروع أن يستطيع

--> 1 - الميزان ، ج 16 ، ص 367 . 2 - انظر تفسير البرهان ، ج 3 ، ص 343 . وتفسير نور الثقلين ، ج 4 ، ص 315 . 3 - مجمع البيان - ج 8 ص 381 .